نبيه البرجي: انياب فيصل القاسم

03 مارس 2017 at 3:58م

نبيه البرجي

اذ … بماذا تختلف الايديولوجيات القاتلة عن اللغات القاتلة؟
لم تعد الشاشات، والصحف، تكتفي بتسويق الغباء، وبات لدينا فائض الغباء. لم تعد تكتفي بتسويق الكراهية، وبات لدينا فائض الكراهية. هي تعمل على تسويق الجثث كما لو اننا لا نعاني ايضاً من فائض الجثث…
فيصل القاسم نموذجاً. ذاك الذي يتقيأ الجثث. ها هو بتكشيرته (كيف يمكن لاعلامي ان يكشر او ان يرتدي وجه الذئب؟) ينقض بأنيابه، وبأظافره، ويكاد ينقض بحذائه على الضيف الذي لا يجاريه رأيه.
عادة يختار الضيف اما رقيقاً او ركيكاً او دمثاً، هادئاً، ولو كان عميقاً، او من اصحاب اللغة الخشبية ليردد الكليشهات اياها وليظهر بمظهر الفريسة بين اشداق فيصل القاسم…
هل لاحظتم كيف ان بعض الشاشات الدينية المبرمجة والممولة استخباراتياً، وسواء كانت سنية ام شيعية، وهي تغتصب النصوص، بل وتغتصب الارواح، بل وتغتصب الله فينا بنبش القبور، واستحضار التأويلات والتفسيرات (والرؤى) التي لا تليق حتى بالقردة؟
حتى ان البرامج الترفيهية بسطحية الكثير منها، وهشاشتها، وتفاهتها، حولناها الى خنادق للصراعات المبتذلة. الى متى نحن ماضون في مسلسل الحرائق؟…
دعونا نتكلم كعرب، مع اننا اكتشفنا بعد كل تلك السنوات، وبعد كل المرارات، اننا لا نزال القهرمانات في حضرة داحس والغبراء، واننا، بعباءتنا او بربطات عنقنا، احفاد المناذرة والغساسنة. لا تصدقوا ان هناك حاكما عربيا يتربع على عرشه، ويتعامل معنا كما العبيد، الا والاساطيل الجوية والبحرية، تحميه حتى في غرفة نومه. حدقوا جيداً في الجدران، بل حدقوا جيداً في ثيابه الداخلية.
هل نقرأ ما يقال فينا عبر مراكز البحث، وفي المعاهد الاستراتيجية، وبأصابع (وادمغة) المفكرين الذين يحللون اوضاعنا، بعيداً عن الكثيرين الكثيرين من حاخامات الاستشراق الذين ليس بينهم غوستاف لوبون, ولطالما حذرنا من الاستغراق في جاذبية اللاهوت، ليس لانه ضد ثقافة الله، وانما لان مرجعيات او حتى مفكرين دينيين لم يفرقوا البتة بين لعبة الغيب ولعبة العدم…
لوبون اعادنا الى العقل الفذ الذي كان للعرب والمسلمين. وناشر الكتاب السفير محمد ضاهر يلاحظ كيف ان وليم وستن، خليفة اسحق نيوتن في جامعة كمبريد،, طرد من الجامعة عام 1709 لاشادته بالاسلام، ومن لا يعلم ان مؤلفات الرازي وابن سينا في الطب ظلت تدرس في اوروبا حتى القرن الثامن عشر؟
ماذا عن ابن رشد الذي قيل في الغرب ان بموته (1198) ماتت الفلسفة، وهو الذي امر احد البابوات باحراق كتبه لانه عثر على الله في العقل البشري…
الان، الباحثون العقلانيون في الغرب اذ يلاحظون انهيارا كاملاً في الفكر العربي والاسلامي (اين ذاك الذي يشبه محمد اركون وماذا اصاب عبد الله العروي ورضوان السيد؟) يقرعون جرس الانذار: انكم ذاهبون الى الانقراض, ولن تجدوا هناك حتى النوق لتستقبلكم بالزغاريد او بالمراثي…
هذا زمن القتل، على الشاشات، وفي ساحات الوغى، وعلى صفحات الجرائد، وعلى ألسنة الوزراء (الجواري)، فيما تستنزف كارثياً ثرواتنا، واحتياطاتنا، وازمنتنا. ازمنتنا القتيلة بأيدي حكامنا وعبيدهم.
ومن مصر التي يقوم في وجهها سد النهضة في اثيوبيا، وبتواطؤ مع عمر حسن البشير وبتمويل خفي من صناديق العرب، الى كل بلد عربي آخر حيث لا يعني النظام سوى البقاء.
البقاء وحده، ولو فوق حفنة من الرمال…
كلنا قتلنا حين قتلت مصر. قتل العراق، وقتلت سوريا، وقتل اليمن، وقتلت ليبيا. هل من دولة عربية ليست بالقتيلة وان تحت الثريات؟
ماذا اذا ادى سد النهضة، وهذا المتوقع, الى نتائج كارثية كأن يحدث لمصر ما حدث لها عام 1069 حين تراجع فيضان النيل. الناس في ذلك الزمان اكلوا الهررة، وجمال الخليفة وجياده، لابل انهم القوا بوزيره عن ظهر بغلته حين كان متوجهاً الى الصلاة ليذبحوها ويأكلوها قبل ان يأكلوا من سقطوا قتلى بين مرافقيه.
وكان يذبح ويؤكل من يخرج من البيوت من الاولاد والنساء.
الان نأكل ارواح بعضنا البعض، ادمغة بعضنا البعض. لنتصور، ونحن نقارب بانوراما المشهد العربي، ماذا سيحل بنا، حين تفرغ صناديقنا وآبارنا وحقولنا. من فضلكم انظروا الى انياب فيصل القاسم قبل ان تنطقوا بالجواب…

 

أقرأ ايضاً